تقي الدين الغزي

137

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

صار ممّن تضرب به الأمثال ، وتعقد الخناصر عليه فحول الرّجال . ذكره الحافظ الذّهبىّ ، في « تاريخ الإسلام » ، وشرح أحواله مفصّلة ، وأسند أكثر ذلك إلى حكايته عن نفسه ، والمرء أدرى بأحواله ، وأعرف بأفعاله وأقواله . قال : قال ، كان أبى رجلا من أهل بلخ ، فسكن بخارى في دولة نوح بن منصور ، وتولّى العمل والتّصرّف بقرية كبيرة ، وتزوّج بأمّى فأولدها أنا وأخي ، ثم انتقلنا إلى بخارى ، وأحضرت معلّم القرآن ومعلّم الأدب ، وأكملت عشرا من العمر وقد أتيت على القرآن ، وعلى كثير من الأدب ، حتى كان يقضى منّى العجب . وكان أبى ممّن أجاب داعى المصريّين ، ويعدّ من الإسماعيليّة ، وقد سمع منهم ذكر النفس والعقل ، وكذلك أخي ، فربّما تذاكروا وأنا أسمعهم وأدرك ما يقولونه ، ولا تقبله نفسي ، وأخذوا يدعونني إليه ، ويجرون على ألسنتهم ذكر الفلسفة والهندسة والحساب ، وأخذ يوجّهنى إلى من يعلّمنى الحساب . ثم قدم بخارى أبو عبد اللّه النّاتلىّ « 1 » الفيلسوف ، فأنزله أبى دارنا ، وقبل قدومه كنت أشتغل بالفقه والتّردّد فيه إلى الشيخ إسماعيل / الزّاهد ، وكنت من أجود السّالكين ، وقد ألفت المناظرة والبحث ، ثم ابتدأت على النّاتلىّ بكتاب « إيساغوجى » ، ولمّا ذكر لي أنّ حدّ الجنس هو المقول على كثيرين مختلفين بالنّوع ، وأخذته في تحقيق هذا الحدّ بما لم يسمع بمثله ، تعجّب منّى كلّ التّعجّب ، وحذّر والدي من شغلى بغير العلم ، وكان أىّ مسألة قالها لي أتصوّرها خيرا منه ، حتى قرأت ظواهر المنطق عليه ، وأمّا دقائقه فلم يكن عنده منها خبر . « 2 » ثم أخذت أقرأ الكتب على نفسي ، وأطالع الشّروح ، حتى أحكمت علم المنطق ، وكذلك كتاب أقليدس ، فقرأت من أوّله إلى خمسة أشكال أو ستّة عليه ، ثم تولّيت بنفسي حلّ باقيه ، وانتقلت إلى المجسطى ، ولمّا فرغت من مقدّماته ، وانتهيت إلى الأشكال الهندسيّة ، قال لي النّاتلىّ : حلّها وحدك ، ثم اعرضها علىّ ، لأبيّن لك . فكم من شكل ما عرفه الرجل إلّا وقت عرضته عليه ، وفهّمته إيّاه .

--> ( 1 ) في عيون الأنباء : « النائلى » ، والمثبت في الأصول ، ووفيات الأعيان 2 / 158 . والناتلى : نسبة إلى ناتل ، وهي بليدة بنواحي آمل طبرستان . وناتل أيضا بطن من الصدف ، وناتل كذلك في قضاعة . اللباب 3 / 204 . ( 2 ) في ن : « شيء » ، والمثبت في : س ، ط ، وفي عيون الأنباء : « خبرة » .